لم يعد ما يحدث في البطولة الاحترافية مجرد حالات معزولة، بل أصبح نسخة مكررة من نفس المشهد كل أسبوع: أخطاء تحكيمية فادحة، قرارات تثير الجدل، ومستوى يزداد انحدارا إلى درجة بات فيها وصف “الفضيحة” أمرا عاديا. منذ عهد يحيى حدقة، حيث ترسخت سنوات من الفشل، وصولا إلى مرحلة رضوان جيد التي علق عليها كثيرون آمال التغيير، لم يتبدل شيء في العمق، لأن تغيير الأسماء دون المساس بجذور المنظومة لم يكن سوى إعادة إنتاج لنفس الأزمة بشكل أعمق.
المشهد اليوم يكشف واقعا أكثر قتامة: حكام يفتقدون للجاهزية البدنية، توقيفات تتم في صمت دون أي توضيح، اعتزالات بسبب الإحساس بالظلم، ومجاملات تفتقر لأبسط معايير العدالة. منظومة التحكيم في المغرب لم تعد فقط تعاني، بل أصبحت غارقة في اختلالات مزمنة، تُدار بعقلية لا تواكب تطور اللعبة ولا تحترم تطلعات الفاعلين والجماهير.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، من يحمي مديرية التحكيم؟ ومن يمنح هذا الفشل غطاء الاستمرار؟ صوت الجماهير لم يعد قابلا للتجاهل، وهو الذي يطالب منذ سنوات بإصلاح حقيقي، لا يقتصر على تغيير الوجوه، بل يستهدف منظومة كاملة تغلغل فيها الخلل حتى أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء.
عندما تم الاستعانة بإسماعيل الفتح لتقييم الوضع واقتراح حلول، ظن البعض أن هناك بداية لمسار تصحيحي جاد، لكن تصريحات بوشعيب الحرش التي أكد فيها أن التعيين تم دون علمه، عكست رفضا ضمنيا لأي تدخل خارجي. واقع كهذا لا يمكن إلا أن يعرقل أي محاولة إصلاح، خاصة لشخص اعتاد العمل في بيئة احترافية كالولايات المتحدة، قبل أن يصطدم بعشوائية يصعب حتى الخوض في تفاصيلها، لينسحب في صمت ويترك الساحة لمن اعتادوا إدارة الفشل.
الأكثر إثارة للاستغراب هو صمت الجامعة الملكية لكرة القدم، وتعاطيها الباهت مع ملف استنزف الكرة الوطنية لسنوات. وإذا كانت العصبة الاحترافية محدودة التأثير، فإن المسؤولية الكاملة تبقى على عاتق الجامعة، التي تبدو غير مستعدة لاتخاذ قرارات جريئة. بل إن بعض المواقف الرسمية زادت الوضع تعقيدا، مثل اعتبار الاستعانة بحكام أجانب “فضيحة”، في وقت يعيش فيه التحكيم المحلي واحدة من أسوأ مراحله.
الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن إصلاح التحكيم يمر عبر قرارات شجاعة، تبدأ بالاعتراف بعمق الأزمة، ولا تنتهي عند جلب خبرات أجنبية قادرة على فرض معايير النزاهة والانضباط. الاستعانة بحكام أو إدارة تحكيم أجنبية لا تعني إقصاء الكفاءات المحلية، بل خلق بيئة تنافسية ترفع المستوى وتعيد الاعتبار لمفهوم العدالة التحكيمية.
اليوم، لم يعد التأجيل خيارا. الجامعة الملكية لكرة القدم مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة، والتخلي عن منطق الترقيع، والقطع مع أفكار تجاوزها الزمن. لأن استمرار الوضع الحالي لا يعني سوى شيء واحد: مزيد من التراجع، ومزيد من فقدان الثقة في منظومة يفترض أن تكون حامية لنزاهة اللعبة، لا شاهدة على انهيارها.





